المبشر بن فاتك
94
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقال : من لم يسكن موضعا فيه سلطان قاهر وقاض عادل وطبيب عالم وسوق قائم ونهر جار فقد ضيّع نفسه وأهله وماله وولده . ووصى بسيلوخيس « 1 » وهو آمون الملك فقال : أول ما آمرك به تقوى اللّه عزّ وجل وإيثار طاعته . ومن تولّى أمر الناس فقد [ 12 ب ] يجب عليه أن يكون ذاكرا ثلاثة أشياء : أوّلها : أن يده مطلقة على قوم كثير ؛ والثاني : أن الذين يده مطلقة عليهم أحرار لا عبيد ؛ والثالث : أن سلطانه إنما يثبت مدة يسيرة . فسبيلك أن تطهّر نفسك بحسن النيّة والقول بالحق . وإيّاك أن تمهل الحرب والجهاد لمن لا يؤمن باللّه جلّ اسمه ويتبع سنّتى وشريعتي لما يرغب « 2 » إليه من دخولهم في طاعة اللّه عز وجل . واحذر أن ترغب في أخذ أموالهم وتركهم على طغيانهم ، فإن المال لا رغبة فيه إلّا من حلّه « 3 » وما للّه - جل اسمه - فيه رضا . واعلم أن الرعيّة تسكن إلى من أحسن إليها ولا تحسن المملكة إلّا بالرعيّة . فمتى ما لم تكن للسلطان رعية حصل سلطان نفسه إذا سلم منهم . وإيّاك والغفلة عن النظر في أمورهم وأمور مملكتك ثم نفسك . وقدّم ما تصلح به آخرتك ينصلح أمر دنياك . وسبيلك إذا لقيت حربا أن تكون حازم الرأي في جميع أمرك . واحذر الهزيمة فإنها إذا وقعت بعسكر ليس يشد حزاما سريعا « 4 » . وأكثر الجواسيس لتكون أخبار أعدائك معك وقتا فوقتا . واحذر من حيلة تعمل عليك . وإذا أمرت بأمر فاسأل عنه بعد ذلك ولا تقصّر فيه فيلحقك من ذلك نقصان الهيبة . وإذا أمرت أن يكتب لك كتاب فاحذر ختمه وإنفاذه دون أن تقرأه أنت ، لأن الحيل تقع بالملوك ؛
--> ( 1 ) منقوطة هكذا في ب ؛ وفي ص مهملة النقط . وقد مضى رسمه من قبل ( ص 12 س 15 ) هكذا : ابسيلوخش . وفي ح : بسيلوحيس ( 2 ) ح : ترغب . ( 3 ) أي : حلاله . ( 4 ) ب : فسريعا . - وشد للامر حزاما : تدارك الأمر .